محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )
157
العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم
وغيرهم ، فيلزمه أن يُسَوِّغَ للقائل أن يقول : إن أبا حنيفة متعمِّد للباطل ، لقوله : إن القياسَ مُقدَّم على الخبر ( 1 ) ، بل لما هو أعظمُ من هذا مثل قوله : إِن النهي يقتضي الصِّحَّةَ ( 2 ) وغيرُ ذلك من المسائل الضعيفة ، ومثل قول أبي يوسف ، وأبي العباس عليه السلامُ : إن الماء المستعمل ( 3 ) نجس ، لأن المعلومَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يَحْترِزُ مما يترشَّشُ منه كما يحترِزُ من البول ، ولأنه يَبْعُدُ في النظر أن يكون الوجهُ طاهِراً ، والماءُ طاهراً ، فإذا التقيا كانا حَالَ الالتقاء طاهرَيْنِ ، فإذا انفصلَ الماءُ الطاهر من الوجه الطاهر إلى الهواء الطاهر صارَ الماءُ كالبول وأمثال هذا . فقد رُوِيَ عن ابن مسعود
--> ( 1 ) هذا القول لا تصح نسبته إلى أبي حنيفة رحمه الله ، بل مذهبه على النقيض من ذلك ، وهو أن خبر الواحد الصحيح ، يقدَّمُ على القياس مطلقاً سواء كان الراوي فقيهاً ، أم غير فقيه ، فقد جاء في " التحرير " وشرحه 2 / 398 : إذا تعارض خبر الواحد والقياس بحيث لا جمع بينهما ممكن ، قدم الخبر مطلقاً عند الأكثرين ، منهم أبو حنيفة والشافعي وأحمد . وأما أتباع أبي حنيفة ، فمنهم من وافقه على مذهبه هذا ، فلم يشترط فقه الراوي وهو الذي ذهب إليه أبو الحسن الكرخي ، ومنهم من اشترط فقه الراوي ، فقال : إن خبر الفقيه يجب العمل به وإن خالف القياس وخبر غير الفقيه المعروف بالرواية أيضاً مقبول يُترك به القياس ، إلا إذا خالف جميع الأقيسة وانسد باب الرأي بالكلية ، وهو مختار الإمام عيسى بن أبان والقاضي أبي زيد ، ووجه هذا القول : أن النقل بالمعنى شائع ، وقلما يوجد النقل باللفظ ، فإن حادثة واحدة قد رويت بعبارات مختلفة ، ثم إن تلك العبارات ليست مترادفة ، بل قد روي ذلك المعنى بعبارات مجازية ، فإذا كان الراوي غير فقيه ، أحتمل الخطأ في فهم المعنى المراد الشرعي ، وإن كان هو عارفاً باللغة ، وإذا خالف الأقيسة بأسرها وانسد باب الرأي ، قوي ذلك الاحتمال قوة شديدة فلم يبق ظن المطابقة ، فسقطت الحجية ، وصار كالخبر المروي فيما ابتلي به العوام والخواص مخالفاً لعملهم . وبهذا تعلم أن الخلاف قائم فيما إذا روى الحديث بالمعنى ، وأما إذا رواه بلفظه فلا خلاف في قبول خبره ، وتقديمه على القياس إذا كان الراوي مستوفياً شروط القبول ، ولو كان غير فقيه . ( 2 ) أي في الشرعيات فقط لا مطلقاً ، وقد فصل القبول في هذه المسألة وأجاد العلامة المطبعي في حاشيته " سلم الوصول " 2 / 295 - 302 ، فليراجع . ( 3 ) انظر تفصيل القول في الماء المستعمل ، في " البناية " للفقيه العيني 1 / 344 - 354 .